شكيب أرسلان
149
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
القيظ ، وعدا ذلك تراني في سويسرة نفسها أقضى الصيف من قنة جبل إلى قنة جبل ، فتارة في القنة السمّاة روشة دونيه فوق مونترو وهي تعلو عن سطح البحر ألفين وخمسين مترا ، وطورا في شتانسر هورن فوق بحيرة لوسرن ، وهي قنة بيضية الشكل ، تعلو عن سطح البحر ( 1950 ) مترا ، وأحيانا في القمم الشامخة التي تقابلها مثل بيلاتوس المشرفة على لوسرن إشراف المنارة على الجامع ، ومثل ريغي التي يطل منها الرائي على ثماني بحيرات في لمحة واحدة من شفير شاهق . ومن شدة غرامي بهذه القنن ، التي قد كنت أصادف فيها الثلج أحيانا في شهر أغسطس - آب ، أتذكر أنّي تركت قنة غورتن كولم في برن ، وذهبت فانتجعت قنّة شتانسر هورن في لوسرن ، لأنّها أعلى من الأولى ، وأقمت هناك شهرا ، إلى أن جاءني كتاب من سعادة الأخ الشهم الهمام عبد الحميد بك سعيد - رئيس جمعية الشبان المسلمين الآن في مصر - امتع اللّه الإسلام بطول حياته ، وكان يسكن في غورتن كولم في الفندق الذي أنا فيه ، فكان يؤنبني في هذا الكتاب على تلك العزلة برأس جبل شتانسر هورن ، ويقول : لا يحلّ لك هذا . والخلاصة أنّ برودة جو سويسرة كلّها لم تكن تقنعني ، وكنت أنتجع منها الشناخيب ، التي أستيقظ فيها صباحا ، فأرى الأرض التي حولنا بيضاء من الثلج ، وذلك في إبّان فصل القيظ ، وقبل ذلك لما كنت في جبلنا لبنان ، لم تكن عين صوفر - وهي في ارتفاع ( 1350 ) مترا - تقنعني وتكفيني ، فطالما قصدت أبهل الباروك « 1 » ، وتوأمات نيحا ، وهي تعلو ( 1800 ) متر « 2 » وغير ذلك . فكيف بي الآن ، وقد صرت في إقليم
--> ( 1 ) الأبهل بفتح فسكون شجر الأرز ، وفي جنوبيّ لبنان يقولون أبهل ، وفي شماليه يقولون : أرز ، وكلاهما صحيح ، وهو على ارتفاع ألفي متر ا ه من الأصل . ( 2 ) سميت توأمات لأنّها عبارة عن قنتين متناوحتين متجاورتين ا ه من الأصل .